
من عمق الذاكرة الغنائية قفزت لذهني اغنية الراحل زيدان ابراهيم التي جعلت منها عنوانا لهذا المقال في ظل الجهود المبذولة من العالم لحل الازمة مع عدم وضوح وصراحة القول والفعل من امراء الحرب الذين لمحوا و لم صرحوا (برفضهم) لما جاءت به (الرباعية) و من صرحوا (بقبولها) مما يعني انهم لا زالوا على (طرفي نقيض) …
في اغنية زيدان ابراهيم ما يحيرني ان المحب والاصيل في علاقة (الحب) يقول بصورة (واضحة كل الحصل ما مني) مدعياً الحيرة !! وهل كان هذا المحب محباً (بالانابة) عن طرف خفي حتى لا يدري بتفاصيل (الحصل )!!!!؟؟ المهم دا ما موضوعنا…
فهناك أغنيات حين تعود إليها تجد أنها ليست مجرد (وجعة وجدان) بل مفاتيح لفهم عطب اجتماعي كامل و قد تحدثنا عن ذلك كثيرا و عن مدى تأثير الامثال والاغنيات على الوجدان فأغنية (ياما بقيت حيران) لزيدان إبراهيم واحدة من هذه النصوص التي تبدو رومانسية لكنها في أصلها مرآة سلوكية لمجتمع كامل يتقن شيئاً واحداً هو (الإنكار ).. و كما يقول المثل( الشينة منكورة) او كما تقول هذه الاغنية :-
كل الحصل يا حبيبي والله ما مني…
قسماً بحق عينيك… كل الحصل ما مني.
تعالوا معي لقراءة في ثقافة (الإنكار) السودانية بين الحب و الحرب وهذه (الجملة الشعبية) العميقة ليست مجرد استعطاف حبيب و لا محاولة خروج من مأزق عاطفي إنها منهج حياة فنحن في السودان غالباً (إلا من رحم ربي) قبل أن نعترف بخطأ أو نقول (أنا غلطان اتحمل المسؤولية) نبدأ مباشرة (بالإنكار) و نقسم بالأيمان المغلظة (والله ما مني).
والسؤال المنطقي الذي يطرأ على ذهن المتلقي هو :-
طيب… لو ما منك من منو؟؟* و هو سؤال تصبح الاجابة عليه واجباً ..فعلاً من منو بالله عليك؟؟
من الجن الأزرق؟
من الصدفة؟
من الظروف؟
من السماء الاحمر ام الريح الاحمر؟
ام انه الكوكايين السياسي الذي لا تعرفون كيفية تعاطيه وما هي مضاره؟
(ما مني)* جملة كانت تُقال في البيوت قبل أن تُقال في السياسة تقال للحبيبة، وللأم، وللجار، وللشرطي، وللمعلم، وتستمر معنا حتى نصل إلى أعلى المناصب… ونحتاج دوماً لشماعة وهي دوماً حاضرة و موجودة في حياتنا وكل ذلك لسبب بسيط رسخته ثقافة (الشينة منكورة)….
لكن دعونا نخرج من الأغنية قليلاً و ندخل في قلب الحرب (السودانية السودانية) منكورة المبتدئ والفاعل والمؤجح لنارها …
اسمع تصريحات أي طرف من أطراف الحرب تجده يقول:-
الحرب؟ ما منا. البداية؟ ما مننا. الطلقة الاولى؟ ما مننا الدمار؟ ما مننا. الخراب؟ ما مننا. القصف؟ ما مننا. السرقات. الاغتصابات التشريد التعذيب ..ما مننا ..ما مننا ..ما مننا..
طيب خلاص خلاص صدقنا ما منكم ..
بس قولوا و ورونا من منو؟؟؟؟.
حتى (الرباعية) عندما تتدخل أو تقترح هدنة يصبح الرد:-
(نحن ما ضد السلام… لكن كل الحصل ما مننا ..) لكن تأكدوا ان كنتم لا تعرفون (الحصل من منو) فمؤكد ان (الرباعية) تفهم ..فهمتوا..
حديث غريب وكأن البلد تُدار من (ناس تانيين) ساكنين في طابق آخر من هذا الكون!!!
وهنا يعود السؤال ذاته الذي يطرحه النص الغنائي بطريقة ناعمة إذا كنت أنت صاحب العلاقة والاصيل فيها و تتصدر المشهد، و أنت من يملك القرار و السلاح و السلطة و الميكرفون و الاعيصر …
فكيف يصبح كل الحصل ما منك؟؟؟.
في اغنية (الحب) قد يكون الإنكار محاولة للهروب من لوم الحبيب أما في (الحرب) فالهروب يصنع المقابر، ويطيل المعاناة، ويترك البلاد في دوامة من هذه (الما منّي) المتكررة …
والإنكار ليس إنكار مسؤولية فقط… بل إنكار حقيقة
إنكار أن الحرب حقيقية
إنكار أن الدم حقيقي
إنكار أن الخراب من صنع أيادينا قبل أن يكون من صنع (الآخر)
تمامًا كما قال زيدان:
جار الزمن بينا… و أيامنا خانتنا
لكن الحقيقة أن الذي جار بنا هو فعلنا نحن، وليست الأيام وحدها.
لو أن الأطراف اعترفت اعترافًا بسيطًا فقط أن ما حدث هو مسؤوليتهم المباشرة ويتحملونها لكان طريق السلام أقصر بكثير من الانتظار حتى يأتي (الحل رباعياً) لكنها قيادات هشة تختبئ خلف جملة نعرفها جيدًا نحفظها كما نحفظ أسماء أمهاتنا وهي عنوان المقال (والله ما مني).
والسؤال الذي تختم به الأغنية نفسها بطريقة لا نقولها لكنها مفهومة ضمناً:-
إذا ما منك…ورينا من منو؟
وإلى متى سيبقى هذا *(المنو)* مجهول الهوية؟؟
الحرب ليست صدفة و لا الظروف وحدها و لا الزمن الذي (جار بينا) الحرب والسلام قرار و بشرى والمسؤولية قرار ربما لو استطعنا لأول مرة أن نقول:
نعم (والله منّا وقد كنا السبب) لأمكن أن تبدأ البلاد في كتابة أغنية جديدة…
أغنية بلا إنكار، بلا دم، بلا قسمٍ كاذب.
اما *(المنو)* فقد اضحى معروفاً يشهد عليه الشهر العظيم حتى و ان ما زلت (حيراناً) فغنى ايها (الحيران) مع زيدان (يا ما بقيت حيران)…ممكن تحلك …سلام.
mtalab437@gmail.com



